أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
192
شرح مقامات الحريري
فتأمل ما اشتملت عليه لفظة « أفانين » مما لو عدّ كان كثيرا ، وما اقترن به من جميع أصناف الجودة طوعا من غير طلب ولا مسألة ، ثم نفى عنه الكزازة والونى ، وهما أكبر عيوب الخيل . والإشارة من غرائب الشعر وملحه ولا يأتي بها إلا شاعر مبرز ، وتسمّى اللمحة الدالة ، وأصلها الاختصار ، وهي أنواع ، فمنها الوحي ، كقول جاهلي في يزيد بن الصّعق : [ المتقارب ] تركت الركاب لأربابها * وألزمت نفسي على ابن الصعق « 1 » جعلت يديّ وشاحا له * وبعض الفوارس لا تعتنق فقوله : « جعلت يدي وشاحا له » إشارة بديعية دالة على الاعتناق بغير لفظة . الإيماء ومنها الإيماء ، فمن ملحه قول قيس بن ذريح : [ الطويل ] أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت * لها زفرة تعتادني هي ماهيا « 2 » وقول كثير : [ الطويل ] تجافيت عنّي حين لا لي حيلة * وغادرت ما غادرت بين الجوانح « 3 » فقوله : « غادرت ما غادرت » إيماء مليح . التلويح ومنها : التلويح ، ومن أجوده قول النابغة في طول الليل : [ الطويل ] تطاول حتّى قلت ليس بمنقض * وليس الذي يرعى النّجوم بآئب « 4 » فالذي يرعى النجوم هنا الصبح ، أقامه مقام الراعي ، يغدو فتذهب الإبل والماشية ، فتلويحه هذا عجب في الجودة ، ومنه قول المجنون : [ الطويل ] لقد كنت أعلو حبّ ليلى فلم يزل * بي النقض والإبرام حتى علانيا « 5 » فلوّح بالصحة والكتمان ، ثم بالسقم والاشتهار تلويحا عجيبا . التعريض ومنها التعريض ، كقول عمرو بن معديكرب : [ الطويل ]
--> ( 1 ) البيتان بلا نسبة في كتاب الصناعتين ص 367 . ( 2 ) البيت في ديوان قيس بن ذريح ص 160 . ( 3 ) البيت في ديوان كثير عزة ص 515 . ( 4 ) البيت في ديوان النابغة الذبياني ص 40 ، وفيه « تقاعس » بدل « تطاول » ، وأساس البلاغة ( قعس ) . ( 5 ) البيت في ديوان قيس بن الملوح ص 294 .